• Home  
  • الشباب من الجمهور إلى الشريك
- أخبار مصر

الشباب من الجمهور إلى الشريك

بحكم أن محور دراستي في زمالة كلية الإعلام – تخصص الإعلام الدولي والدبلوماسية العامة، فإنني أتعامل مع فكرة المشاركة المجتمعية باعتبارها جزءًا أساسيًا من بناء الثقة بين المؤسسات والجمهور، وليس مجرد وسيلة لتحسين صورة المؤسسة. وبمناسبة اليوم العالمي للشباب، فيعد أهم الفئات التي تحتاج إلى إعادة النظر في طريقة التواصل معها، يأتي الشباب. فالشباب لم […]

بحكم أن محور دراستي في زمالة كلية الإعلام – تخصص الإعلام الدولي والدبلوماسية العامة، فإنني أتعامل مع فكرة المشاركة المجتمعية باعتبارها جزءًا أساسيًا من بناء الثقة بين المؤسسات والجمهور، وليس مجرد وسيلة لتحسين صورة المؤسسة.

وبمناسبة اليوم العالمي للشباب، فيعد أهم الفئات التي تحتاج إلى إعادة النظر في طريقة التواصل معها، يأتي الشباب. فالشباب لم يعودوا مجرد جمهور نستهدفه برسالة، أو أرقامًا نضيفها إلى قائمة المستفيدين، أو حضورًا نحتاج إليه في الفعاليات ، الشباب اليوم يمتلكون القدرة على إنتاج الأفكار، وصناعة المحتوى، وتكوين الرأي العام، واكتشاف المشكلات، واقتراح الحلول، وتحريك المجتمعات الرقمية والميدانية ، ولهذا فإن السؤال لم يعد: كيف نتحدث إلى الشباب؟ بل أصبح: كيف نجعل الشباب شركاء في صناعة ما نتحدث عنه؟

الطريقة التقليدية في التواصل المؤسسي تقوم غالبًا على ثلاث خطوات: المؤسسة تضع الفكرة، ثم تنفذ المشروع، ثم تتواصل مع الجمهور لإخباره بما حدث. لكن النموذج الأكثر تطورًا يبدأ من مكان مختلف: اسأل الشباب أولًا. ما المشكلة التي يرونها؟ ما الذي يحتاج إلى تغيير؟ ما الحل الذي يقترحونه؟ ما الذي يستطيعون تنفيذه بأنفسهم؟ وما الذي يحتاجون فيه إلى دعم المؤسسة؟ هذا التحول البسيط في طريقة التفكير يمكن أن يغير شكل العلاقة بالكامل ،فعندما يشعر الشاب أن المؤسسة لا تكتفي بالحديث إليه، وإنما تستمع إليه وتأخذ فكرته بجدية، يتحول من متلقٍ إلى شريك، ومن متابع إلى مساهم، ومن مستفيد إلى صاحب أثر.

لا يمكن لمؤسسة أن ترى كل تفاصيل المجتمع من داخل مكاتبها ،هناك مشكلات لا تظهر في التقارير الرسمية، لكنها واضحة جدًا لمن يعيشها يوميًا. الشاب يعرف مشكلات جامعته، ومنطقته، ووسائل النقل، والمنصات الرقمية، وسوق العمل، والخدمات التي يتعامل معها، ولذلك فإن إشراك الشباب في مرحلة تحديد المشكلة قبل التفكير في الحل، قد يكون أهم من إشراكهم بعد اتخاذ القرار.

فالمشاركة الحقيقية لا تعني أن نقول للشباب: «لدينا مشروع ونريدكم أن تشاركوا فيه». بل أن نقول: «لدينا مشكلة، ساعدونا في فهمها وصناعة حل لها». وهنا تبدأ الشراكة الحقيقية.

يمكن تحويل هذه الفكرة إلى نموذج مؤسسي مستدام من خلال إنشاء مختبر أفكار للشباب داخل المؤسسات أو الجهات المعنية بالشأن المجتمعي.

يعمل المختبر من خلال خمس مراحل واضحة:

أولًا: الاستماع، من خلال فتح قنوات منتظمة لاستقبال أفكار الشباب وملاحظاتهم، سواء من خلال لقاءات مباشرة أو استبيانات أو منصات رقمية. ثانيًا: تحديد الأولويات، فلا تتحول كل فكرة تلقائيًا إلى مشروع؛ بل يتم اختيار الأفكار وفق معايير واضحة، مثل حجم المشكلة، وعدد المستفيدين، وإمكانية التنفيذ، والتكلفة، والأثر المتوقع.

ثالثًا: فرق العمل، حيث يتم تشكيل فرق من الشباب حول الأفكار المختارة، مع وجود متخصصين من المؤسسة لمساعدتهم في تطويرها، رابعًا: التجربة، فبدلًا من إطلاق مشروع كبير مباشرة، يتم تنفيذ نموذج تجريبي صغير يمكن قياس نتائجه وتعديل أخطائه. خامسًا: التوسع، فإذا أثبتت الفكرة نجاحها، تنتقل من تجربة شبابية إلى مشروع مؤسسي قابل للتوسع. وبهذه الطريقة لا يصبح إشراك الشباب مجرد فعالية أو مؤتمر، وإنما آلية دائمة لصناعة السياسات والمشروعات المجتمعية.

وهنا يجب أن نكون واضحين ، إشراك الشباب لا يعني أن تتخلى المؤسسة عن دورها، أو أن تحمل الشباب مسؤولية تنفيذ مشروعات تفوق إمكاناتهم.

الشراكة تعني أن لكل طرف دوره، الشباب يقدمون الرؤية والطاقة والأفكار والقرب من المجتمع، والمؤسسة تقدم الخبرة والموارد والإمكانات والقدرة على التنفيذ والاستدامة، وعندما يجتمع الطرفان، تتحول الفكرة من مجرد اقتراح إلى مشروع قابل للحياة.

ربما يكون أكبر خطأ في أي تجربة لمشاركة الشباب هو أن تطلب منهم أفكارًا ثم لا يعرفون ماذا حدث بها ، هنا يفقد الشاب ثقته في عملية المشاركة، لذلك يجب أن تكون هناك قاعدة بسيطة: كل فكرة لها رد ، حتى إذا لم يتم اختيار الفكرة، يجب توضيح السبب، وإذا تم اختيارها، يجب أن يعرف صاحبها أين وصلت، وإذا تحولت إلى مشروع، يجب أن يرى أثرها ،لأن المشاركة التي لا ينتج عنها أثر تتحول بمرور الوقت إلى مجرد استبيان آخر.

في عصر المنصات الرقمية، لم تعد المشاركة المجتمعية تحتاج دائمًا إلى قاعات ومؤتمرات ،يمكن للمؤسسات أن تستخدم المنصات الرقمية لطرح تحديات مجتمعية حقيقية، ثم دعوة الشباب لتقديم حلول لها.

مثلًا: كيف نحسن تجربة المواطن في الحصول على خدمة؟ كيف نجعل مدينتنا أكثر جذبًا للشباب؟ كيف نحافظ على التراث المحلي بطريقة عصرية؟ كيف نستخدم التكنولوجيا في خدمة المجتمع؟ كيف نقدم صورة أفضل عن مدننا ومحافظاتنا؟ ثم تتحول أفضل الأفكار إلى مشروعات تجريبية حقيقية.

وهنا يصبح الشاب جزءًا من دورة صناعة القرار، وليس مجرد مستهلك للمحتوى الذي تنتجه المؤسسة. الميزة الأهم في إشراك الشباب أنهم لا يعملون بمعزل عن المجتمع، الشاب يستطيع أن يكون حلقة وصل بين المؤسسة ومجتمعه، وبين الفكرة والجمهور، وبين المشروع والمنصات الرقمية.

وهو أيضًا قادر على تحويل المشروع إلى قصة يفهمها الآخر، وهذا يربط المشاركة الشبابية بالإعلام والدبلوماسية العامة؛ لأن الشباب ليسوا فقط شركاء في صناعة المشروعات، وإنما يمكن أن يكونوا سفراء لقصص النجاح المحلية.

فعندما يشارك شاب في تطوير مشروع يخدم مدينته، ثم يحكي تجربته بلغته وعلى المنصات التي يستخدمها، تصبح الرسالة أكثر صدقًا وتأثيرًا من رسالة رسمية تقليدية.

هناك فرق كبير بين أن ندعو الشباب لحضور مؤتمر، وأن نعطيهم مساحة لصناعة جزء من أجندته. فرق بين أن نطلب منهم التصفيق لمشروع، وأن نطلب منهم مساعدتنا في تصميمه. فرق بين أن نصور مشاركتهم في فعالية، وأن نمنحهم مسؤولية حقيقية داخل مشروع. ولهذا فإن الانتقال من «الشباب كجمهور» إلى «الشباب كشريك» يحتاج إلى تغيير في فلسفة العمل نفسها.

أن ننتقل من: نتحدث إليهم، إلى: نتحدث معهم، ثم إلى المستوى الأهم: نصنع معهم.

الشباب ليسوا مجرد مستقبل المجتم،هم جزء من حاضره دوإذا أردنا مشروعات مجتمعية أكثر واقعية واستدامة، فعلينا ألا نكتفي بالسؤال عن احتياجات الشباب، بل أن نسألهم أيضًا عن الأفكار التي يمكن أن يصنعوا بها الحلول.

فالمؤسسة الأقوى ليست التي تمتلك كل الإجابات، وإنما التي تمتلك القدرة على اكتشاف أصحاب الإجابات والاستماع إليهم وإعطائهم مساحة حقيقية للتجربة. ولذلك فإن إشراك الشباب لا ينبغي أن يكون شعارًا في مناسبة، ولا بندًا في خطة علاقات عامة، ولا صورة جماعية في نهاية مؤتمر ،بل يجب أن يصبح نظامًا مستمرًا للاستماع، وصناعة الأفكار، والتجربة، والتنفيذ، وقياس الأثر.

وعندما يحدث ذلك، لن يكون الشباب مجرد جمهور نريد الوصول إليه. سيصبحون شركاء في صناعة المجتمع الذي نريد الوصول إليه.

بقلم: روضى هلال الشريف

روضى هلال الشريف، باحثة ومتخصصة في الإعلام الدولي والدبلوماسية العامة، تهتم بقضايا المشاركة المجتمعية وتمكين الشباب ودور الإعلام في بناء الثقة وصناعة الأثر.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البريد الإلكتروني: info@egyptanews.com

الهاتف: +5-784-8894-678

جميع الحقوق محفوظة لـ EGYPTANEWS © 2025.