مصر لا تُعرف فقط بما تملكه من أرض وجيش وموقع وثقل سياسي. هناك مصر أخرى صنعتها الثقافة والفن، وعرفها العرب من خلال أغنية وفيلم ومسرحية وكتاب ودراما، حتى أصبحت صورتها الثقافية جزءًا من حضورها الإقليمي. وهذه ليست مسألة فنية هامشية، بل أحد عناصر القوة الوطنية التي صنعت لمصر تأثيرًا يتجاوز حدودها.
القوة الناعمة المصرية لم تبدأ كمشروع سياسي معلن، لكنها نشأت من صناعة حقيقية. حين ازدهرت السينما والمسرح والموسيقى والإذاعة والتليفزيون والصحافة، لم تكن مصر تنتج أعمالًا للاستهلاك المحلي فقط، وإنما كانت تنتج خطابًا ثقافيًا يصل إلى جمهور عربي واسع. ومن القاهرة تشكل جزء كبير من الوعي الفني العربي الحديث.
القاهرة.. عاصمة ثقافية للمنطقة
ولذلك لم تكن القاهرة مجرد عاصمة سياسية لدولة كبيرة، وإنما أصبحت أيضًا عاصمة ثقافية للمنطقة. يأتي إليها الفنان العربي بحثًا عن فرصة، ويأتي المنتج بحثًا عن سوق، ويأتي الجمهور بحثًا عن عمل يعرفه ويثق به. وحين تصبح مدينة ما مركزًا لإنتاج الثقافة وتوزيعها، فإنها تكتسب نفوذًا يتجاوز الحسابات التقليدية للقوة.
المهم هنا أن هذه الصناعة لم تُبنَ على الفنانين وحدهم. عدد كبير ممن دخلوا الفن جاءوا من مهن بعيدة عنه: أطباء، وضباط، وأطباء أسنان، وصحفيون، ومدرسون، وموظفون، وخريجو حقوق، وطيارون وغيرهم. ترك بعضهم وظيفة مستقرة واختار الفن طريقًا لحياته. وهناك أسماء كثيرة لا يتسع المقال لذكرها، والذاكرة لا تسعفني لذكرهم جميعًا.
دلالة هذه الظاهرة أن الفن المصري كان قادرًا على استقطاب الموهبة من خارج دوائره التقليدية. كانت هناك بيئة اجتماعية وثقافية تسمح للموهبة بأن تتحول إلى مهنة، وصناعة تستطيع أن تستوعبها، وجمهور يمنحها فرصة، ومؤسسات تنتج وتوزع.
من الإبداع إلى التأثير.. من هنا جاءت القوة
ومن هنا جاءت القوة.
فالقوة الناعمة ليست كثرة الفنانين، وإنما القدرة على تحويل الإبداع إلى تأثير. قد ينجح فنان داخل بلده ولا يترك أثرًا خارجها، بينما يستطيع عمل واحد جيد أن يصل إلى ملايين الناس ويغير صورتهم عن بلد بأكمله.
وهذا ما حدث مع المنتج المصري لعقود. الأغنية لم تكن لحنًا وكلمات فقط، والسينما لم تكن قصة على شاشة، والدراما لم تكن ساعات للفرجة. كانت جميعها تحمل معها اللغة المصرية، والشخصية المصرية، وطريقة الحياة، ومشكلات الناس وأحلامهم. وبذلك أصبحت مصر حاضرة في حياة ملايين العرب من خلال الثقافة قبل السياسة.
القوة الناعمة.. أحد أذرع الدولة
وهنا يجب وضع القوة الناعمة في مكانها الصحيح: هي ليست بديلًا عن قوة الدولة، لكنها أحد أذرعها.
القوة العسكرية تحمي المصالح، والاقتصاد يوفر القدرة، والدبلوماسية تدير العلاقات، أما الثقافة فتعمل في مساحة مختلفة: تصنع القبول، وتبني الألفة، وتؤثر في الصورة التي تتكون لدى الآخرين عن الدولة وشعبها.
ولهذا فإن تراجع القوة الناعمة ليس مجرد مشكلة تخص أهل الفن. إنه تراجع في إحدى أدوات الحضور المصري.
استعادة القوة الناعمة لا تعني استعادة الماضي
لكن استعادة هذه القوة لا تعني استعادة الماضي. لا يمكن أن نعيش على رصيد صنعه جيل سابق، ثم نطلب من التاريخ أن يؤدي وظيفة الحاضر. العالم تغير، وأدوات التلقي تغيرت، والمنافسة أصبحت عالمية، والمنصات الرقمية كسرت الحدود التي كانت تفصل المنتج عن جمهوره.
وهذا التحول يمنح مصر فرصة بقدر ما يفرض عليها تحديًا.
فلم يعد مطلوبًا أن تملك مصر أكبر عدد من الأفلام أو المسلسلات، وإنما أن تملك أعمالًا تستطيع المنافسة. الجودة هنا ليست ترفًا فنيًا، بل شرطًا من شروط النفوذ. والعمل الذي لا يستطيع أن يجذب المشاهد داخل بلده، لن يستطيع أن يقنع مشاهدًا خارجها بأن يمنحه وقته.
ومن ثم فإن بناء القوة الناعمة يحتاج إلى صناعة لا إلى مناسبات. يحتاج إلى اكتشاف المواهب، وتأهيلها، وتمويل الإنتاج الجيد، وحماية الملكية الفكرية، وتطوير التوزيع، وترجمة المحتوى ودبلجته، وفتح الأسواق، والاستفادة من المنصات الحديثة.
ويحتاج قبل ذلك كله إلى رؤية تعتبر الثقافة جزءًا من الأمن الوطني بمعناه الواسع؛ لأن صورة الدولة وموقعها في وعي الآخرين ليستا أمرين ثانويين.
الفن ليس دعاية رسمية
ولا يعني ذلك أن يتحول الفن إلى دعاية رسمية. العكس هو الصحيح. أقوى ما يمكن أن تقدمه مصر للعالم هو عمل فني صادق ومحترف، يحمل روحها من دون أن يرفع لافتة باسمها. فحين يكون العمل جيدًا، لا يحتاج إلى أن يقول للناس إن مصر مهمة؛ يكفي أن يجعلهم يريدون معرفة البلد الذي جاء منه.
وهنا تكمن المسافة بين الدعاية والقوة الناعمة.
الدعاية تطلب من الناس أن يصدقوا صورة معينة، أما القوة الناعمة فتجعلهم يتشكل لديهم الانطباع من خلال التجربة نفسها.
مصر ومركز إنتاج الثقافة العربية
وهذا هو الرصيد الذي صنعته مصر في أفضل مراحلها الثقافية، حين كان الفيلم المصري يصل إلى بيروت ودمشق وبغداد والخرطوم وتونس والمغرب، وحين كانت الأغنية المصرية تُسمع في البيوت العربية، وحين كانت القاهرة تستقطب أصحاب المواهب من مختلف البلدان.
لم تكن مصر آنذاك تملك مجرد صناعة فنية ناجحة، بل كانت تملك مركزًا لإنتاج الثقافة العربية وتوزيعها.
استعادة الدور الثقافي.. مصلحة وطنية
ومن هنا تأتي أهمية استعادة هذا الدور. ليس باعتباره حنينًا إلى زمن مضى، وإنما باعتباره مصلحة وطنية واضحة.
مصر تحتاج إلى أن تكون قوية في أدواتها كلها، والقوة الناعمة واحدة من هذه الأدوات. وهي قوة لا تحمي الحدود، لكنها تحمي الحضور؛ لا تدير المفاوضات، لكنها تؤثر في المناخ الذي تجري فيه؛ لا تفرض صورة مصر على الآخرين، لكنها تمنحهم أسبابًا حقيقية ليعرفوها ويقدروها.
لقد صنعت مصر جزءًا مهمًا من مكانتها الإقليمية من خلال الثقافة قبل أن يصبح مصطلح «القوة الناعمة» شائعًا في السياسة الدولية.
والدرس الذي يجب أن نتعلمه اليوم بسيط: ما لم ننتج ثقافتنا بأنفسنا وبالمستوى الذي يليق بنا، فإن الآخرين سينتجون الصور التي يعرفوننا بها.
لذلك فإن القوة الناعمة ليست ترفًا، ولا بندًا ثقافيًا يمكن تأجيله. إنها أحد أذرع مصر الوطنية، وواحدة من واجهاتها أمام الخارج، واستثمار مباشر في قدرتها على الحضور والتأثير.
والدولة التي تعرف قيمة قوتها الناعمة لا تنظر إلى الفن باعتباره ما يحدث على المسرح والشاشة فقط، بل باعتباره جزءًا مما يحدث لمكانتها خارج حدودها.


